عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

389

الذيل على طبقات الحنابلة

وفي سنة تسعين : ذكر على الكرسي يوم جمعة شيئاً من الصفات ، فقام بعض المخالفين ، وسعوا في منعه من الجلوس ، فلم يمكنهم ذلك . وقال قاضي القضاة شهاب الدين الخوي : أنا على اعتقاد الشيخ تقي الدين ، فعوتب في ذلك . فقال : لأن ذهنه صحيح ، ومواده كثيرة . فهو لا يقول إلا الصحيح . وقال الشيخ شرى الدين المقدسي : أنا أرجو بركته ودعاءه ، وهو صاحبي ، وأخي . ذكر ذلك البرزالي في تاريخه . وشرع الشيخ في الجمع والتصنيف ، من دون العشرين ، ولم يزل في علو وازدياد من العلم والقدر إلى آخر عمره . قال الذهبي في معجم شيوخه : أحمد بن عبد الحليم - وساق نسبه - الحراني ، ثم الدمشقي ، الحنبلي أبو العباس ، تقي الدين ، شيخنا وشيخ الإِسلام ، وفريد لعصر علماً ومعرفة ، وشجاعة وذكاء ، وتنويراً إلهياً ، وكرماً ونصحاً للأمة ، وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر . سمع الحديث ، وأكثر بنفسه من طلبه ، وكتب وخرج ، ونظر في الرجال والطبقات ، وحصل ما لم يحصله غيره . برع في تفسير القرآن ، وغاص في دقيق معانيه بطبع سيال ، وخاطر إلى مواقع الإِشكال ميال ، واستنبط منه أشياء لم يسبق إليها . وبرع في الحديث وحفظه ، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث ، معزواً إلى أصوله وصحابته ، مع شدة استحضاره له وقت إقامة لدليل . وفاق الناس في معرفة الفقه ، واختلاف المذاهب ، وفتاوى الصحابة والتابعين ، بحيث إنه إذا أفتى لم يلتزم بمذهب ، بل يقوم بما دليله عنده . وأتقن العربية أصولاً وفروعاً ، وتعليلاً واختلافاً . ونظر في العقليات ، وعرف أقوال المتكلمين ، وَرَدَّ عليهم ، وَنبَّه على خطئهم ، وحذر منهم ونصر السنة بأوضح حجج وأبهر براهين . وأُوذي في ذات اللّه من المخالفين ، وأُخيف في نصر السنة المحضة ، حتى أعلى الله مناره ، وجمع قلوب أهل التقوى على محبته